4100 موظف محظوظ
عمال البحرين الخميس ١٢ نوفمبر ٢٠١٥

4100 موظف محظوظ

 

4100 موظف محظوظ

 

محمد عبدالله محمد ... كاتب بحريني

 

ثمّن العالم الخطوة التي قام بها جاك دورسي. سأقول لكم أولاً مَنْ هو دورسي. إنه مدير ومؤسس شركة تويتر إحدى أهم وأشهر شبكات التواصل الاجتماعي في العالم، والتي تُوفِّر للمستخدمين إمكانية بثّ رسائلهم ذات الـ 140 حرفاً والمعبِّرة عن قناعاتهم وأفكارهم (والمسمّاة بـ التغريدة) مباشرة ودون رقيب من الشركة. لذلك بلغ عدد مشتركي تويتر لغاية يونيو الماضي 316 مليون مستخدم.

قبل أسابيع أعلن جاك دورسي أنه قرَّر أن يمنح موظفيه ثلث حصته في الشركة، والتي تصل إلى 214 مليون دولار. وقد كان ذلك الخبر أسعد الأخبار بالنسبة للموظفين «التويتريين» في حياتهم. فإذا ما عرفنا أن عدد العاملين في تويتر هو 4100 موظفاً في 25 مكتباً حول العالم، فهذا يعني أن كل موظف سيحصل على 52 ألف و195 دولارا. وهي مكافأة جيدة لموظفين ذوي درجات دنيا.

جاك قال في تغريدتيْن بتاريخ 23 أكتوبر/ تشرين الاول الماضي: «إني سأوزع ثلث الأسهم التي امتلكها في تويتر على الموظفين؛ لأنني أريد الاستثمار في القوة البشرية -كرفع رواتبهم أو تدريبهم أو منحهم أسهماً فيها إلخ- وأفضل امتلاك حصة صغيرة من ثروة كبيرة على امتلاك حصة كبيرة من ثروة صغيرة. وأنا واثق بقدرتنا على جعل تويتر ثروة كبيرة».

وما إن غرَّد بذلك حتى احتفى العالم بهذه الخطوة التي دلَّت على كرمه ونكرانه لذاته، ومحبَّته الحقيقية لموظفيه. مع العلم، أن الرجل لم يكن قد مضى عليه كثير حين تسلّم رئاسة الشركة.

الحقيقة، أن هذه الخطوة «الكبيرة» من رجل لم يبلغ الأربعين من عمره لَهيَ لافتة جداً. ولأنه شاب فربما كان طموحه أن يُضاعِف من ثروته أكثر فأكثر، لكنه لم يفعل، حيث آثر أن يقف إلى جانب مَنْ هم أقل منه درجة، وأكثر منه حاجة. كما أنه من عائلة عادية، وليست صاحبة ثراء فاحش، لذلك، ربما كان أقدر على تحسّس أوضاع الآخرين، فهو يعمل بذات الوقت الذي يعمله موظفوه، بل يزيدهم بثماني ساعات أخرى كي يدير شركة أخرى باسم سكوير يملكها هو.

جاك قدّم درساً عملياً لمئات الآلاف من المسئولين الكبار في العالم، الذين يطمحون لأن يحصلوا على أعلى جودة لعمل موظفيهم، وأعلى ولاء منهم، وأعلى انضباط، في الوقت الذي تغيب فيه كيمياء العلاقة الإيجابية والداعمة، التي تحكم علاقتهم بموظفيهم. علاقة الكبير بالصغير، وعطف الأول على الثاني، والسؤال عن أحواله. بل إن هذا الأمر بعيد كلياً عن تفكير كثيرين منهم.

مَنْ منا لم يقف خلال مشوار عمره على مَنْ أفنى عمره (أو شطراً كبيراً منه) في عمله. يُكابد نهار مساء ولكن دون أن يلتفت إليه أحد حتى بالسؤال. بل هناك مَنْ كان يستخدم حتى وقته الذي يقضيه مع عائلته كي يُنجِز ما يُناط إليه من أعمال ولكن مع شديد الأسف، ذهبت السنون الثقال دون أن يحملها معه (وليس عنه) أحد.

بالتأكيد، هناك من هو مختلف عن أولئك من المسئولين الكبار، وهم أناس يجب أن نُنصفهم ونُشِيد بهم. أخبرني أحدهم أن أحد مسئوليه وقف إلى جانبه عندما واجهته مشكلة إلى نهاية المشوار، على الرغم من أن ذلك الموظف لم يطلب شيئاً، ولكن ذلك المسئول الشَّهم وبسبب كرم نفسه وسخائها وطِيب سريرته كان دائم السؤال عن أحوال موظفيه والعاملين معه.

في أحيان ما، لا ينظر الموظف إلى سؤال مسئوله عنه من زاوية مادية، فهناك من الموظفين مَنْ لا يحتاج إلاَّ إلى السؤال الذي يعتبره تقديراً له، وشعوراً به. والشعور بالشيء هو أسمى الأشياء والمواقف في العلاقات الإنسانية، وإن التقليل منه مضرّ بها. وكما كان الممثل الكوميدي الانجليزي شارلي شابلن يقول ساخراً وناقداً لسلوكيات مجتمعه: «نحن نفكر كثيراً ونشعر قليلاً».

إنّ يُسْر الحال، لا يُزكِّيه شكر الباري باللسان، بل إن الشكر الحقيقي هو بمساعدة مَنْ هم في حاجة إليها والوقوف إلى جانبهم. وللعلم، فهناك محتاجون بالمفهوم المعروف لدينا، وهم مَنْ يعيشون حدَّ الكفاف، لكن لا يعني أنه لا يوجد مَنْ هم محتاجون لأحوال طارئة من الموظفين، الذين يجب أن يُسأل عنهم لا أن نستغرق في العمل سنين دون أن نعي ما هم فيه.

المشكلة، أن هذه السلبية التي يعاني منها كثير من المسئولين لا تقتل عند الموظف حبه لعمله ومسئوليه فقط، بل إنها تخلق أدواءً في بيئة العمل يمكن أن يتوارثها مَنْ عانوا منها. ما أعنيه أن جفاف المسئول لا يُنمِّي الإيثار ولا الكرم ولا الرعاية في تلك البيئة، لتصبح عادة مستدامة، لا تزول بسهولة. أما إذا حصل العكس فإن بيئة العمل تزدهر وتصبح أكثر طراوة.

أتذكر أبياتَ شعر جميلة أنشدها أبو يونس عبدالله بن سالم مَوْلى هُذَيل حين أعطاه المهدي 5 آلاف درهم، ثم خرج من مجلسه، فما إن انتهى إلى الباب حتى فرَّقها على الناس جميعاً فعُوتِب على ما فعل فردَّ عليهم قائلاً:

لَمَسْتُ بكَفّي كَفَّهُ أبْتَغي الغِنى

ولم أدْرِ أنَّ الجُوْدَ من كَفِّه يُعْدي

فَلا أنا مِنْهُ ما أفادَ ذَوُو الغِنى

أفَدْتُ، وأعْداني فأتْلَفْتُ ما عِنْدي

فبلغ المهدي ذلك فأمر له بخمسين ألف دينار.

http://www.alwasatnews.com/4814/news/read/1044929/1.html