الصمت أحياناً.. أهو فساد إداري؟!
الصمت أحياناً.. أهو فساد إداري؟!
(1) يصر البعض وبمحض إرادته أن يضع نفسه خارج الصورة وأن يجردها من أرقى حقوقها ألا وهو حق إبداء الرأي. هذا البعض يكتفي دائماً بممارسة مهارة الاستماع الجيد والمشاركة في تنفيذ ما يتخذ من قرار فقط ظناً منه بأن الجهر بالرأي قد يخلق الشعور بعدم الارتياح لدى بعض المسؤولين، وهذا قد يؤثر بدوره سلباً على فرص تقدمه المهني أو ربما يدخله غرفة المهمشين الذين جردوا من مهامهم نتيجة مواقف معينة أو آراء طرحت من قبلهم أو تبنوها ولم تكن تتناغم مع تلك التي يحب أن يسمعها ذلك المسؤول. وتعتقد هذه الفئة بأن الأمر ربما يتعدى تلك العقوبات لتصل إلى فقد الوظيفة. هناك مبرر آخر تضعه هذه الفئة لعدم المشاركة بالرأي وتحاول إقناع نفسها به وهو أنه حتى لو تجرأ أحدهم وأبدى رأيه فإن هذا الرأي لن يغير شيئاً ما دام هناك رأي مسبق أو لاحق يقدمه المسؤول، فهل يمكن أن يعلو رأي آخر على رأي المسؤول؟ ثقافتنا المجتمعية والتي تشكل وبدرجة كبيرة ثقافتنا المؤسسية لا تجيز ذلك بسهولة، فرأي المسؤول، مهما كانت درجته الوظيفية، له احترامه فهو يتكئ على سلطته الإدارية. هكذا تفكر هذه الفئة وهكذا يقول عنها المفكر والأديب توفيق الحكيم «إنك تفترض أن الناس جميعاً قابلون أن يكونوا أحراراً وتنسى أن أغلب الناس لا يستطيعون ولا يريدون أن يكون لهم رأي.. إنما يستسهلون ارتداء الآراء التي تصنع لهم صنعاً» انتهى. السؤال الذي يمكن طرحه هنا هو: كيف ينظر المسؤولون إلى هذه الفئة؟ والسؤال الآخر هو: هل تحصل هذه الفئة على فرص التوظيف والترقي كغيرها؟ (2) وجهت سؤالي ذاك إلى صديق يعمل في مؤسسة استشارية معروفة والذي أجابني قائلاً: قد تستغرب إذا قلت لك بأن هناك بعض العملاء الذين يحرصون على وضع المعايير والشروط الصعبة للتوظيف ويطلبون منا نشرها دون أي تغيير ولكن التعليمات التي تأتينا بعد ذلك من قبلهم ومن خلال الهاتف، أي أنها غير مكتوبة، تختلف في معاييرها وشروطها عن تلك المكتوبة وإليك بعض الأمثلة: تسلمنا قبل فترة طلباً من أحد عملائنا بتوظيف نائبٍ لرئيس المؤسسة وجاء ضمن المعايير أن يكون ذا كفاءة عالية وخبرات متجددة وأن يكون في ذات الوقت سهل الانقياد وأن يركز عمله على تنفيذ ما يوكل إليه من مهام دون التدخل في القرارات. مثال آخر، تابع الصديق، طلب توظيف مدير للموارد البشرية يكون ملماً بالقوانين والأنظمة ويتمتع بخبرة واسعة ولكننا نريده في نفس الوقت ذا شخصية مرنة ومطيعاً يستمع فينفذ ولا يسأل كثيراً ويفهم دوره الذي يتمثل في أنه حلقة وصل بين الإدارة العليا والعاملين من جهة والتعامل مع المؤسسات الأخرى من جهة ثانية وبعبارة أخرى «مراسل تنفيذي» كما قال لنا المسؤول في تلك المؤسسة وهو يضحك. لعل درجة الاستغراب ترتفع لديك أكثر إذا أخبرتك – والكلام لا يزال للصديق – عن أحد الطلبات التي تسلمناها مؤخراً ففي الظاهر كانت المعايير واضحة وقوية ولكن تعليق المسؤول في تلك المؤسسة وهو يخبرنا عن الطلب كان غريبا فهو يريد توظيف شخص منزوع الرأي!. في ختام حديثه معي أكد الصديق أن هذه الحالات لا تمثل ظاهرة فهي حالات فردية. (3) قلت لصديقي ذاك إن مهمتكم صعبة: كيف تجمعون بين النقيضين في شخصية واحدة؟ كيف تجمعون بين الكفاءة والسلبية في شخص واحد؟ وكان جوابه أن هناك دائماً من يمتلك شخصية ومبادئ مطاطية قابلة للتطويع والتكيف مع المواقف. وتابع: خلال ممارستي لعملي وتجاربي مع العملاء توصلت إلى نتيجة مهمة وهي أن المسؤول الضعيف مهنياً يجمع حوله مساعدين ضعاف وأنت تفهم السبب والعكس صحيح. انتهى حديث الصديق. نعود سيدي القارئ الآن إلى ذلك المسؤول أو الموظف الذي يصر على الصمت وعدم ابداء الرأي ربما لأحد الأسباب التي ذكرناها سالفا ونسأله: هل تعرف بأن رأيك ربما يساهم في توفير الكثير من المال والجهد والوقت والارتقاء بالمؤسسة ومستوى خدماتها، فأنت الشخص الاختصاصي الذي يعرف أكثر من غيره في مجال عمله؟ هل تعرف بأن الصمت في هذه الحالات قد يعتبر أحد أوجه الفساد الإداري وأن المسؤولية أمانة ورسالة؟ ربما يمكننا أن نختم مقالتنا هذه سيدي القارئ بمقولة مؤثرة للكاتب الإيرلندي الساخر (جورج برناردشو) «إن أي مثقف لا تكون له قضية أو رسالة وطنية أو إنسانية لا يعدو أن يكون مهرجا» انتهى. ما رأيكم؟
